التدين الشكلي هو ممارسة المظاهر الدينية دون الدخول في علاقة حقيقية وحية مع الله. وهو تدين يركّز على الشكل أكثر من الجوهر، وعلى السلوك الخارجي أكثر من التحول الداخلي. ومن أبرز علاماته ما يلي :
أولًا: الذاتية
الذاتية تعني أن يعتمد الإنسان على ذاته في ممارسة الصلاح، دون اتكال حقيقي على الله. ففي حياة المسيحي الحقيقي، يكون شخص الرب يسوع هو مركز العلاقة، أما في حياة المتدين الشكلي فتحتل الذات و«الأنا» هذا المركز.
المسيحي الحقيقي يشتهي أن يتمم إرادة الله في حياته، بينما ينشغل المتدين الشكلي بتحقيق إرادته الشخصية، حتى وإن اتخذ من الدين غطاءً لها.
ومن أبرز مظاهر الذاتية:
• الاعتداد بالرأي ورفض الاختلاف.
• الحدة في الحوار والتعصب للأفكار الشخصية.
• الشعور بالتفوق الروحي على الآخرين، كما كان حال الفريسي.
• اتباع المسيح شكليًا مع التمسك بأمور شخصية لا يريد التخلي عنها، كما في مثال الشاب الغني.
• العجز عن حمل الصليب، لأن الصليب يعني إنكار الذات، وهو أمر لا يستطيع المتدين الشكلي احتماله، فتكون تبعيته للمسيح تبعية ظاهرية لا جوهرية.
وتقود الذاتية إلى الفتور الروحي، إذ تعيق الإنسان عن الدخول في لقاء عميق مع شخص الرب يسوع. فهناك تعارض دائم بين ما يدعو إليه المسيح وبين مصالح الشخص الذاتية، فلا يفسح المجال لعمل النعمة في قلبه.
كما أن المتدين الشكلي لا يخضع للروح القدس، فلا يجد الروح مجالًا ليعمل داخله، إذ إن ولاءه وخضوعه موجهان للذات لا لله. والروح القدس وحده هو القادر أن يطهّر النفس، ويشعل فيها نار النعمة، لتختبر العلاقة الحية مع المسيح.
ولهذا يُحرَم صاحب الذاتية من فيض النعمة، وتتحول ممارساته الدينية إلى أفعال خالية من الحب الإلهي الحقيقي، يؤديها لإرضاء ذاته والشعور بالتفوق الروحي، كما كان يفعل الفريسيون طالبين مجد الناس لا مجد الله، ولذلك رفضوا اتباع الرب يسوع، إذ أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله.
ثانيًا: العقلانية
العقلانية هنا لا تعني استخدام العقل، بل تقديس العقل وجعله المرجع الأعلى في الحياة الروحية. فنجد إنسانًا مواظبًا على الوجود في الكنيسة، واسع الاطلاع، يقرأ كثيرًا في الكتب الروحية والعقائدية، ويمتلك كمًا هائلًا من المعلومات الدينية، وقد يشارك في خدمات متعددة داخل الكنيسة.
ومن مظاهر العقلانية:
• اعتبار العقل هو الإله الحقيقي، ورفض مبدأ الإيمان والتسليم.
• الاعتماد على الجدل والنقد والتحليل العقلي وحده في دراسة الكلمة، بدل الخضوع للروح القدس الذي ينير الذهن ويفتح البصيرة.
• النظر إلى الإيمان على أنه مغامرة غير مضمونة العواقب.
ولا يعني رفض العقلانية أن يهمل الإنسان دراسة الكتاب المقدس، بل المطلوب هو البساطة الروحية، أي النظر إلى الإيمان بعين واحدة، هي عين المسيح الساكن في الإنسان. فالبساطة هنا تعني الوحدانية والاتساق الداخلي، لا السذاجة أو الجهل.
ودراسة الكلمة تعمّق معرفة الإنسان بالله إذا كان هدفها الاقتراب منه والدخول في علاقة حية معه. أما الاكتفاء بالمعرفة العقلية المجردة، فلا يمنح حياة. فكثير من معاهد اللاهوت تضم أساتذة يحملون أعلى الدرجات العلمية في الكتاب المقدس، ومع ذلك لم يختبروا قوة الكلمة المحيية في حياتهم.
فالإنسان الذي لا يعرف الله معرفة اختبارية، لا تنفعه كثرة المعلومات الدينية. بل إن تراكم المعرفة دون علاقة حقيقية قد يقود إلى الفتور الروحي والكبرياء، إذ يشعر الإنسان أنه أعلم من غيره، فيظن نفسه قديسًا.
ولا يدرك حينها أن القداسة لا تنبع من المعرفة، بل من الالتصاق بالقدوس. فهي ليست ثمرة العقل، بل ثمرة الخضوع لعمل الروح القدس، الذي يهب القداسة للنفس، ويحوّل الكلمة من نصوص محفوظة إلى قوة تغيّر القلب والفكر والحياة كلها.
المراجع
د. عادل حليم ، هل حقا أنا مسيحى (القاهرة : د.عادل حليم ، 2019)
كمال حبيب ، التدين السليم (القاهرة : كنبسة مارمينا بشبرا ، 2003)