الزواج هو اتحاد بين شخصين على مستوى الفكر والعاطفة والجسد، ووحدة في الهدف والمصير. وهو قرار واعٍ بأن يقتسم الإنسان حياته مع آخر، وأن يحيا في تلاحم يومي معه. فالزواج ليس مجرد علاقة اجتماعية، بل هو اتحاد كياني بين شخصين، دون أن يفقد أيٌّ منهما تمايزه أو تفرده؛ إنه انتقال من كون الإنسان فرداً مستقلاً إلى كونه زوجاً يشترك مع شريكه في حياة واحدة.
ويُعدّ الارتباط الزوجي، في جوهره، قيمة إنسانية وروحية عميقة، من أجلها ينسلخ الشريكان نفسياً عن الوالدين؛ إذ يتجاوز كلٌّ منهما رابطة الدم واللحم إلى رابطة أكثر حميمية، تقود إلى تلاحم كياني ينمو عبر الزمن.
ولكي يتحقق هذا الارتباط بصورة صحية، يحتاج الإنسان أن “يترك” أباه وأمه ويلتصق بشريك حياته. وهذا الترك ليس تخلياً أو جحوداً، بل انتقالاً ناضجاً في دوائر القرب والانتماء.
ويتحقق ذلك من خلال عدة أبعاد:
الاستقلال عن الأهل :–
الاستقلال عن الأهل لا يقتصر على الاستقلال المكاني أو المادي، رغم أهميتهما، بل يشمل بالأساس الاستقلال النفسي. فقد يضطر الزوجان، بسبب ظروف اقتصادية أو اجتماعية، إلى الإقامة مع الأهل، ومع ذلك يكونان مستقلين نفسياً. وعلى العكس، قد يعيشان في دولة بعيدة عن الأهل، لكن دون انفصال نفسي حقيقي.
فالزوج الذي يقارن زوجته باستمرار بوالدته لم ينفصل نفسياً بعد عن أمه، والزوجة التي يكون والدها مخزن أسرارها لم تنفصل نفسياً بعد عنه. وعملية الترك هذه تشبه عملية “الفطام”؛ فالفطام يسبب ألماً للطفل وللأم، لكنه ألم النضج والنمو. وإن لم يحدث هذا الفطام النفسي، يحدث تدخل غير صحي من الوالدين في حياة الأسرة الوليدة، مما يضعف التلاحم بين الزوجين ويعيق نمو الحب بينهما.
الارتباط الحقيقي بشريك الحياة –:
عند تكوين الأسرة الجديدة، يتحد الزوجان ليعيشا حياة يومية مشتركة، لهما فيها أهداف واحدة، وأسرار خاصة، وقيم يتفقان عليها معاً. وبذلك تصبح الأسرة الجديدة كياناً مستقلاً له شخصيته المميزة. وفي هذا الكيان المشترك، يصبح الزوج هو الأقرب إلى زوجته، أكثر من والديها، كما تصبح الزوجة هي الأقرب إلى زوجها، أكثر من والديه. وهذا هو المعنى الحقيقي للارتباط.
نمو الحب بين الزوجين :–
ينمو الحب عندما يشعر كل من الزوجين أن شريك حياته يكمله، وأنه لا يستطيع السير في طريق الحياة بدونه، فيتكئ عليه ويستند إليه في السراء والضراء. أما إذا كان ارتباط أحد الزوجين بوالديه أعمق وأقوى من ارتباطه بشريك حياته، فإنه عند كل أزمة أو مشكلة يلجأ إلى والديه طلباً للدعم، بدلاً من الالتجاء إلى شريك حياته. وهذا السلوك يضعف نمو الحب؛ لأن العهد الزوجي قائم على المشاركة الكاملة في الفرح والألم.
ولهذا أكّد الرب يسوع على مبدأ الترك والالتصاق كأساس للاتحاد الزوجي، فقال:
” من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسداً واحداً وروحاً واحدة”.
فالترك يجب أن يسبق الالتصاق ويستمر معه، كما أن الترك والالتصاق معاً يسبقان الاتحاد الزوجي ويستمران خلاله. فالزواج الناضج هو زواج يعرف كيف يترك، ليعرف كيف يلتصق، وكيف يتحد في محبة تنمو وتثبت مع الزمن .
المراجع
1– د. عادل حليم ، قبل الإرتباط (القاهرة : د. عادل حليم ، 1998)
2- د. نبيل باقى ، المسيح فى الزواج والأسرة ( القاهرة : كنيسة ما مرقص القبطية الأرثوذوكسية بمصر الجديدة، 2007)