تنبع براعة الحوار مع أي إنسان من الكيفية التي ينظر بها المتحدث إلى الشخص الذي أمامه، ومن الهدف الحقيقي للحوار ذاته. فهل يسعى إلى بناء صداقة؟ أم يرى أن هذا الشخص لا يمثل أهمية في حياته؟ إن اهتمام الإنسان بمن يتحاور معه يجعله أكثر وعيًا بكلماته، وأكثر حرصًا على أسلوبه، ويصبح هدفه أن يكسب الآخر لا أن يغلبه. أما من لا يهتم بالناس ولا يعبأ بطبيعة علاقاته معهم، فلن يهتم كثيرًا بكلماته أو بطريقة حديثه.
ولكي يبرع الإنسان في الحوار، ويستطيع أن يبني علاقات وصداقات متينة، يحتاج أن يحرص على أن يتسم حديثه بعدة أمور أساسية :
أولًا: احترام الآخر وعدم مواجهته بأخطائه
من الحكمة ألا يواجه الإنسان الآخرين بأخطائهم مباشرة، بل أن يحترم وجهات نظرهم حتى وإن رآها خاطئة. فاللطف والتفهم والاستحسان يغيّرون القلوب والعقول بقوة تفوق التوبيخ والتعالي. وكما يُقال: إن الشمس قادرة أن تجعلك تخلع معطفك أسرع من الريح. فالإنسان يستطيع أن يغيّر نفسه دون مقاومة، أما إذا وُوجه بخطئه، فإنه غالبًا يتمسك برأيه بإفراط. وحتى إن كان المرء على حق، فإن اللباقة وحسن الأسلوب هما الطريق الأقصر لجذب الآخرين إلى وجهة نظره.
ثانيًا: الاعتذار السريع
الاعتذار السريع عند الوقوع في الخطأ يعكس نضجًا إنسانيًا وأخلاقيًا. فالخطأ طبيعة بشرية، لكن الاعتراف به دون تأخير يخفف من حدة انفعال الطرف الآخر، ويعفي الإنسان من عبء الإنكار أو تبرير النفس، ويعيد للعلاقة توازنها.
ثالثًا: الود واللين في الحديث
الحديث الودي الخالي من العنف يحقق نتائج تفوق كثيرًا ما يحققه الجدال والصدام. فاللين في الكلام قد يحوّل الخصومة إلى تقارب، ويجعل حتى المختلفين يقفون في مساحة مشتركة من التفاهم والاحترام.
رابعًا: السعي للحصول على «نعم»
وهي حكمة اشتهر بها سقراط، إذ كان يبدأ الحوار مع من يختلف معه بطرح أسئلة متفق عليها، يعرف مسبقًا أن إجابتها ستكون «نعم». ومع تتابع هذه الموافقات، يجد الطرف الآخر نفسه وقد أصبح أكثر تقبّلًا للأفكار المطروحة، بل وأقرب إلى تبنيها.
خامسًا: النظر إلى الأمور من وجهة نظر الآخر
يرى ” كارل روجرز “، رائد المدرسة الإنسانية، أن جوهر الفهم الحقيقي يكمن في أن « يضع الإنسان قدمه في حذاء الآخر » ، أي أن يدرك مشاعره، ويفهم طريقته في رؤية الأمور. ولا تتحقق هذه المهارة إلا بالإنصات العميق، ليس للكلمات المنطوقة فقط، بل أيضًا لما يدور في داخل الشخص من أفكار ومشاعر، بحيث ينظر الإنسان للموضوع بعيني الآخر لا بعينيه وحده.
سادسًا: احترام رأي ومشورة الآخر
من مظاهر الحوار الراقي أن يُظهر الإنسان احترامه لمشورة من يحدثه، بأن يطلبها ويضعها في الاعتبار. ويقول سفر الأمثال :
« بكثرة المشيرين خلاص» .
فالاستماع لمشورة الآخرين لا يضر أبدًا؛ فإن كانت مناسبة فقد نال الحل، وإن لم تكن كذلك فقد كسب ودّ الشخص، وأشعره بقيمة رأيه واحترام أفكاره.
سابعًا: التشجيع وبث الأمل
ينبغي أن يحمل الحوار في طياته تشجيعًا وبثًا للأمل، وأن يكون الإنسان نورًا يضيء الطريق للآخرين ويعيد إليهم ثقتهم بأنفسهم. وكم من أشخاص لم يحالفهم النجاح في بدايات حياتهم، لكن إيمان شخص واحد بقدراتهم وتشجيعه لهم غيّر مسار حياتهم بالكامل، ومنهم الكاتب الإنجليزي الشهير ” تشارلز ديكنز“ .
إن الاهتمام بأسلوب الحديث، والتدرب على الحوار الجذّاب، لا ينعكس فقط على العلاقات الإنسانية، بل يضمن للإنسان نجاحًا واسعًا في مختلف جوانب حياته.
المراجع
ديل كارنيجي ( كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر فى الناس )
الناشر الأهلية للنشر والتوزيع عمان الاردن ، طبعة أولى 2001