يُعدّ ضبط النفس إحدى العلامات الأساسية لنضج الشخصية، وهو عنصر جوهري يؤهّل الإنسان لحياة زوجية أكثر نجاحاً واستقراراً. فهذه الفضيلة هي ما يميّز بين الطفل والبالغ؛ إذ إن الطفل لا يمتلك القدرة على ضبط نفسه أو التحكم في انفعالاته، ولا يستطيع تأجيل إشباع رغباته – سواء في الطعام أو الشراب أو اللعب – إلى وقت مناسب.
أما الإنسان الراشد، فيمتلك قدرة أعمق على ضبط النفس بكل معانيها، بما في ذلك التحكم في انفعالات الغضب، وتنظيم رغبات الطمع، وضبط الدافع الجنسي. وهو شخص يتمتع بتوازن صحي بين العقل والعاطفة، ولديه إرادة واعية تمكّنه من السيطرة على رغباته وتأجيلها إلى الوقت المناسب؛ فلا تصبح شهواته هي المحرّك الأساسي لسلوكه وقراراته.
وتتجلى أهمية ضبط النفس بشكل خاص داخل الحياة الزوجية؛ فغياب هذه القدرة يجعل الفرد يستسلم باستمرار لما يرغبه، ويسعى إلى إرضاء ذاته بطريقة أنانية قد تضر بشريك حياته. وغالباً ما تصبح أولوياته منصبّة على راحته الشخصية، دون اعتبار كافٍ لاحتياجات الأسرة ومتطلباتها، مما يهدد استقرار العلاقة الزوجية ويضعف نموها.
ويمكن للإنسان أن ينمّي قدرته على ضبط النفس من خلال التدريب اليومي على العطاء، ومحاولة إسعاد الآخرين قبل إرضاء ذاته، وكذلك من خلال مقاومة إلحاح الرغبات والشهوات. ويُعدّ الصوم، كما وضعته الكنيسة عبر فترات الصوم المتعددة، من أقوى وأعمق التدريبات على ضبط النفس؛ إذ لا يقتصر على الامتناع عن الطعام، بل هو جهاد روحي شامل ضد مختلف أشكال الشهوة.
ومن يواظب على الصوم منذ شبابه بروحانية صادقة، ويتعلّم أن يبتعد عن الطعام الجسدي ليُشبَع بالطعام الروحي، ويخصّص أوقات خلوة خلال الأصوام بعيداً عن انشغالات العالم، يكتسب تدريجياً قدرة حقيقية على ضبط الذات. وكذلك من يخدم في الخدمات الكنسية بروح المحبة والبذل، يتعلّم من خلالها إخلاء الذات، والعطاء بسرور، وتقديم وقت راحته كذبيحة حب لله.
وفي جوهرها، تهدف جميع الممارسات الروحية إلى النمو في العلاقة مع الله. فالإنسان الذي يسلّم ذاته لله ليعمل فيه، يستطيع، من خلال عمل الروح القدس في داخله، أن يقتني فضيلة ضبط النفس، التي لا تُعد فقط فضيلة روحية، بل أساساً نفسياً متيناً لنجاح الحياة الزوجية وبنائها على المحبة والنضج والاستقرار.
المراجع
د. عادل حليم ، قبل الإرتباط (القاهرة : د. عادل حليم ، 1998)