ليس كل إنسان يرغب في أن يكون لله دور في اختياراته الحياتية بوجه عام، ولا في اختيار شريك الحياة بوجه خاص. فهناك من يفضّل الاعتماد الكامل على ذاته، وهناك من يتوق إلى سماع صوت الله ومعرفة إرادته قبل أن يُقدِم على قرارات مصيرية. وقد خلق الله الإنسان مميَّزًا عن باقي المخلوقات، إذ لم يخلقه ليطيعه بلا إرادة، بل منحه حرية الاختيار والعقل والوجدان، وجعله مسؤولًا عن الطرق التي يسلكها. فالإنسان حرٌّ في أن يطلب معرفة إرادة الله أو أن يتجاهلها.
ويُخطئ البعض حين يحاول إسقاط طرق اختيار وردت في الكتاب المقدس، مثل طريقة إبراهيم في اختيار زوجة لإسحق، على واقعنا المعاصر حرفيًا. فقد كانت تلك الطريقة مناسبة للزمان والظروف التي عاشوا فيها، حيث كانت صعوبة السفر وخطورته، وغياب وسائل التواصل، تفرض أساليب معينة للاختيار. أما في زمننا الحالي، حيث سهولة التنقل وتعدد وسائل التواصل، فلا يمكن اعتبار هذه الطريقة نموذجًا حرفيًا يُحتذى به.
لقد أعطى الله الإنسان العقل ليفكر ويميّز، وأعطاه القلب ليشعر بالارتياح أو القلق، ويستخدم الله هاتين الأداتين معًا ليقود الإنسان في اختياراته. ففي اختيار شريك الحياة، يلجأ كثيرون إلى الصلاة وطلب الإرشاد الإلهي، لكن هذا يتطلب أن يكون الإنسان قد تدرّب سابقًا على تمييز صوت الله في مواقف الحياة المختلفة، وأن يكون صادقًا في رغبته في معرفة إرادة الله، دون تحيّز مسبق لما يميل إليه.
وقد يطلب الإنسان علامة من الله، لكن هذه العلامة ليست بالضرورة حدثًا خارقًا أو إشارة مادية واضحة. ففي كثير من الأحيان، يستخدم الله عقل الإنسان وخبراته السابقة، فيزداد الاقتناع العقلي، ويمنح القلب شعورًا أعمق بالسلام والارتياح، وتصل النفس إلى حالة من الاستقرار الداخلي. وهذه الحالة المتكاملة من السلام والوضوح قد تكون هي العلامة الحقيقية.
ومع ذلك، فإن النجاح في الاختيار لا يعني بالضرورة نجاح الزواج. فالاختيار هو الخطوة الأولى فقط، أما النجاح الحقيقي في الحياة الزوجية فيتطلب جهدًا مستمرًا من الزوجين في التفاهم، وقبول الاختلافات، والتكيف معها. وكلما كان الزوجان في علاقة حية مع الله، ازداد عمل الروح القدس في حياتهما، مانحًا إياهما نعمة الاحتمال والحكمة والمحبة التي تُثبّت الزواج وتنمّيه.
فالاختيار الناضج هو ثمرة شراكة بين حرية الإنسان وإرشاد الله، وبين العقل المفكّر والقلب المطمئن، وهو بداية طريق يحتاج إلى نعمة الله وجهد الإنسان معًا.
المراجع
د. عادل حليم ” الله والاختيار الزوجى “