يولد الإنسان داخل أسرة تنتمي إلى ديانة معينة، وينشأ منذ طفولته متأثرًا بتعاليمها وممارساتها. فالدين، في صورته العامة، هو مجموعة من الأفكار والمعتقدات والطقوس التي تدور حول مفهوم الإله، ومعاني الخير والشر، والثواب والعقاب، وكيفية السلوك القويم داخل المجتمع.
ولأن الإنسان مخلوق على صورة الله، يوجد في داخله اشتياق فطري وعميق لمعرفة الله والانتماء إليه. ولهذا يظل الإنسان، بوعي أو دون وعي، في رحلة بحث روحي مستمرة. غير أن صورة الله التي تتكون في أعماق الإنسان قد تكون صحيحة أو مشوهة، بحسب البيئة والثقافة والخبرات التي نشأ فيها.
لكن المسيحية لا تُقدَّم كمنظومة أخلاقية أو مجموعة مُثُل عليا تُفرض على الإنسان من الخارج، بل كحياة تُعاش في علاقة شخصية حقيقية مع الرب يسوع المسيح. هذه الحياة تنبع من سكنى الروح القدس في أعماق المؤمن، ومن توافق إرادته مع إرادة الله، فتتحول الممارسة الدينية إلى خبرة وجودية حيّة.
أما العقائد والديانات الأخرى، فهي في جوهرها تعبير عن الغريزة الدينية الموجودة في الإنسان، تلك الغريزة التي تدفعه للبحث عن الإله الحقيقي غير المحدود. وهذه الغريزة تتخذ أشكالًا متعددة بحسب ثقافة المجتمع وتقاليده، فتظهر في صورة عقائد متنوعة كالبوذية وغيرها. غير أن هذه العقائد، رغم احتوائها على مبادئ أخلاقية وطقوس، لا تستطيع أن تشبع القلب البشري شبعًا كاملًا، فيظل الإنسان في حالة قلق وحيرة، باحثًا عن الله الحقيقي، مصدر وجوده وأصله.
فالإنسان، بما يحمل في داخله من سمة إلهية، يظل مشدودًا بطبيعته إلى الأصل الذي خرج منه، أي إلى الله الأبدي المطلق.
وجميع العقائد تتقاطع في تقديم الأخلاقيات العامة والمبادئ السلوكية والفرائض والطقوس، لكن المسيحية تتميز بأنها ليست التزامًا خارجيًا بفرائض، بل علاقة حية مع الله.
الفرق بين الأخلاقيات والروحيات
الأخلاقيات في جوهرها متشابهة بين مختلف المجتمعات والديانات؛ فجميعها تتفق على أن الصدق والأمانة فضيلتان، وأن الكذب والغش رذيلتان. وهذه المبادئ تصدر أساسًا عن الضمير الطبيعي الذي أودعه الله في الإنسان.
أما في المسيحية، فلا يكفي مجرد طاعة الضمير الطبيعي، لأن ضمير المؤمن يقوده روح الله الساكن فيه. فالمسيحي هو هيكل للروح القدس، وإرادته تتشكل وتتوافق مع إرادة الله. لذلك، لا تقتصر حياته على سلوك أخلاقي حسن، بل تصبح حياته شهادة حيّة على حضور الله في العالم، من خلال فكره
وسلوكه ومواقفه.
ويمتلك المسيحي إمكانيات تفوق الإمكانيات البشرية الطبيعية، لأنه لا يفعل الفضيلة بقوته الذاتية فقط، بل بقوة الروح القدس العامل فيه. ومن هنا، ورغم وجود تشابه ظاهري بين الأخلاقيات العامة والفضائل المسيحية، إلا أن الاختلاف الجوهري يكمن في المصدر.
فالفضيلة المسيحية هي ثمرة طبيعية لعمل الروح القدس، وملازمة للطبيعة الجديدة التي نالها الإنسان في المسيح، بينما الأخلاقيات العامة تنبع من الضمير الطبيعي وحده.
الاختيار أمام الإنسان
من هنا يقف الإنسان أمام خيارين واضحين:
• إما أن يحيا مسيحيًا حقيقيًا، في علاقة حية ومستمرة مع الله، مختبرًا حضوره وفاعليته في حياته، فتكون فضائله نتيجة مباشرة لعمل الله فيه، وهو مدرك أن كل خير يصنعه هو ثمرة نعمة إلهية.
• أو أن يكتفي بحياة متدينة في ظاهرها، بلا علاقة حقيقية مع الرب يسوع، فتكون فضيلته نابعة من ضميره الطبيعي فقط، وهي في جوهرها أخلاقيات إنسانية لا تختلف كثيرًا عما لدى أتباع أي ديانة أخرى.
الخلاصة
المسيحية ليست مجرد ممارسات دينية أو التزام أخلاقي، بل حياة تُعاش. والاكتفاء بالممارسات الخارجية يفرغ الحياة المسيحية من جوهرها الحقيقي، الذي يقوم على العلاقة المباشرة والشخصية مع الرب يسوع المسيح، وعلى عمل الروح القدس الذي يغيّر الإنسان من الداخل إلى الخارج.
المراجع
د. عادل حليم ، هل حقا أنا مسيحى (القاهرة : د.عادل حليم ، 2019)
د.عادل حليم ، شباب فى عولمة (القاهرة : د.عادل حليم ، 2019)