إن موقف الإنسان من الله، والصورة التي تتكوّن في ذهنه عنه، وطريقة تفاعله معه، تُعد مؤشرات أساسية تكشف طبيعة تديّنه: هل هو تديّن حقيقي نابع من علاقة حيّة ؟ ، أم تديّن شكلي يقوم على المظهر دون الجوهر؟
فكل إنسان يحمل في داخله صورة ذهنية عن الله، وبناءً على هذه الصورة تتشكّل طريقته في الاقتراب من الله أو الابتعاد عنه، كما تتحدد ملامح حياته الروحية وسلوكه الديني.
أولًا: صورة الله المحب
هناك من يرى الله أبًا محبًا، خلق الإنسان بدافع المحبة، ويرعاه ويهتم بكل تفاصيل حياته. هذا الإنسان يدرك أن الله ينظر إليه كابن محبوب، وفي الوقت ذاته يوقن بمهابة الله وقداسته وعدله. لذلك يسهل عليه أن يقيم علاقة شخصية وعميقة مع الله، بل لا يستطيع أن يتخيّل حياته دون هذه العلاقة، لأنها مصدر حياته وقوته وسلامه. وهذا هو المتديّن الحقيقي.
ثانيًا: صورة الله القاضي الصارم
وفي المقابل، هناك من يرى الله واضعًا للقوانين فحسب، وعلى الإنسان أن يلتزم بها التزامًا صارمًا، وإلا تعرّض للمحاسبة والعقاب. صورة الله هنا صورة مخيفة، كأنه يترصّد الأخطاء وينتظر الزلات. هذا الإنسان ينظر إلى عدل الله دون أن يلمس محبته ورحمته، فيغيب عنه البُعد العلائقي، ويصبح تديّنه قائمًا على الخوف لا على الحب. وهذا هو التديّن الشكلي.
ومن يحمل هذه الصورة لا يستطيع إقامة علاقة شخصية مع الله، لأن الله بالنسبة له مصدر خوف لا مصدر حياة. وهو تصور يقترب من فكر العهد القديم قبل إعلان الله الكامل في المسيح، حين كان يُنظر إلى الله كمن يقترب من الإنسان بقدر، لأنه أعلى من أن يشارك الإنسان تفاصيل حياته اليومية.
ثالثًا: الإله المصنوع على مقاس الاحتياج
وقد يصنع الإنسان إلهًا وفق احتياجاته الخاصة، فيراه قوة تلجأ إليها النفس وقت الأزمات فقط. هذه الصورة تنبع من خوف الإنسان من المجهول، ومن رغبته في الشعور بالأمان عند الخطر. لكن هذا الإله يظل « إله الأزمات »، لا إله العلاقة اليومية. ومثل هذا الإنسان، رغم ممارساته الدينية وأخلاقياته الظاهرة، لا يعرف الله معرفة اختبارية، ولا يقيم معه علاقة حقيقية.
رابعًا: الخطية والتوبة في نظر المتديّن الحقيقي
يرى المتديّن الحقيقي أن الخطية هي حالة انفصال عن الله. وحين ينفصل الإنسان عن الله، يسلك بحسب طبيعته التي تشوّهت بالسقوط. أما التوبة فهي عودة إلى حضن الله، والتصاق به من جديد. ومن هذا الالتصاق تنبع الفضيلة تلقائيًا، لأن الإنسان حين يتحد بالله يستمد من صفاته، ويثمر الروح القدس في داخله، فيصير كل صلاح وكل فضيلة نتيجة مباشرة لهذا الاتحاد.
خامسًا: الخطية والفضيلة في نظر المتديّن الشكلي
أما المتديّن الشكلي، فليس بالضرورة إنسانًا فاسدًا أو فاعلًا للشرور، لكنه ينظر إلى الخطية والفضيلة بمعايير مختلفة. فهو يفعل الصلاح بدوافع خارجية: لراحة ضميره، أو لإرضاء الناس ونيل مديحهم، أو طمعًا في المكافأة السماوية. لذلك ينشغل بإحصاء فضائله، كما فعل الفريسي في الهيكل، حين عدد أمام الله أصوامه وعشوره، ومقارنته بنفسه بالآخرين.
وقد قيل بحق:
« الجسد مستعد أن يؤيد كل شكل من أشكال الدين والأخلاق التي تعطي مكانة للإنسان، ولا تعطي مكانة لله » .
كما أن المتديّن الشكلي يعتمد على اجتهاده الشخصي في فعل الصلاح، لا على عمل الروح القدس داخله. وبما أن الطبيعة البشرية بعد السقوط تميل إلى الخطية، فإنه كثيرًا ما يفشل في مقاومة الشر بقوته الذاتية، فيلجأ إلى الحفاظ على صورة خارجية من الصلاح، بينما يعجز في الخفاء عن مقاومة الخطية. وهكذا يحيا حياة مزدوجة: واحدة أمام الناس، وأخرى في الخفاء. وهو ما عبّر عنه الرب يسوع بقوله عن الفريسيين إنهم «كالقبور المبيّضة، جميلة من الخارج، لكنها من الداخل مملوءة فسادًا » .
سادسًا: مفهوم الأبدية
المتديّن الحقيقي يرى أن الأبدية هي معرفة الله، وهي لا تبدأ بعد الموت، بل تبدأ هنا على الأرض، ويعيش مشتاقًا إلى المعرفة الكاملة لله في الأبدية.
أما المتديّن الشكلي، فيرى الأبدية كمجرد مكافأة لأعمال صالحة أداها، أو عقاب على مخالفته للقوانين الإلهية، دون أن تكون الأبدية امتدادًا لعلاقة حيّة مع الله.
الخلاصة
إن الفرق الجوهري بين المتديّن الحقيقي والمتديّن الشكلي يكمن في الصورة الذهنية التي يحملها كل منهما عن الله. فكما يرى الإنسان الله، تكون علاقته به، ويكون نوع تديّنه، ويُصاغ سلوكه وحياته كلها.
المراجع
د. عادل حليم ، هل حقا أنا مسيحى (القاهرة : د.عادل حليم ، 2019)
كمال حبيب ، التدين السليم (القاهرة : كنبسة مارمينا بشبرا ، 2003)