الصورة الذاتية وتأثيرها على الاستعداد للارتباط

يُعدّ قرار الارتباط من أهم القرارات المصيرية في حياة الإنسان، إذ يتطلب قدرًا كبيرًا من الوعي والاستعداد النفسي حتى تنجح الحياة الزوجية. ويواجه الزواج العديد من المشكلات، وغالبًا ما يرجع سببها إلى ضعف التفاهم بين الزوجين، وهو ضعف يرتبط في جوهره بعدم قدرة الفرد على فهم ذاته فهمًا صحيحًا؛ إذ إن الذات هي النافذة التي يرى الإنسان من خلالها العالم والآخرين.

​لكل إنسان صورة ذاتية يرسمها لنفسه، تتضمن ما يعتقد أنه يمتلكه من قدرات وإمكانات ومواهب. غير أن هذه الصورة ليست بالضرورة صورة حقيقية؛ فجزء كبير منها يتكون من آراء الآخرين ونظرتهم للفرد، كما أن جزءًا آخر يتشكل في مرحلة الطفولة، قبل أن يمتلك الإنسان القدرة على فحص هذه الآراء أو تقييم مدى صحتها. لذلك قد تكون رؤية الفرد لذاته مشوهة، إما بالتضخيم أو بالتقليل من القيمة الحقيقية للنفس.

​وعندما تكون الصورة الذاتية أكبر من الحقيقة، يشعر الإنسان بالكبرياء، وعندما تكون أقل من الحقيقة، يشعر بصغر النفس. ولهذا يشير علماء النفس إلى أن الكبرياء وصغر النفس وجهان لعملة واحدة. وبما أن الذات هي الأداة التي يُدرك بها الإنسان الآخر، فإن تضخم الذات يدفع صاحبه إلى التعامل بتعالٍ مع من حوله، بينما تؤدي صورة الذات المتدنية إلى شعور دائم بالنقص، يرى فيه الفرد الآخرين جميعًا أفضل منه.

​لذلك يحتاج الإنسان، قبل الإقدام على الارتباط، أن يرى ذاته على حقيقتها دون تضخيم أو تقليل، فيدرك مناطق القوة ومناطق الضعف في شخصيته، ويقبل ذاته كما هي. فقبول الذات هو عتبة التغيير؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يُحدث تغييرًا حقيقيًا في شخصيته دون أن يعترف أولًا بحقيقته ويقبلها.

​ففي كل إنسان مميزات وعيوب، والعيب في كثير من الأحيان أمر نسبي؛ فما يراه شخص عيبًا قد يراه آخر ميزة. كما أن هناك عيوبًا جسدية أو سمات لا يمكن تغييرها. وإذا ركّز الإنسان على عيوبه فقط، قد يصل إلى كراهية ذاته أو رفضها، ومن يكره ذاته لا يستطيع أن يحب الآخر، وبالأخص شريك الحياة. وقد عبّر السيد المسيح عن هذه الحقيقة بقوله: «تحب قريبك كنفسك»؛ فمن لا يحب نفسه، كيف يستطيع أن يحب قريبه أو شريك حياته؟

​إن قبول الذات بما تحمله من نقاط قوة ونقاط ضعف يساعد الإنسان على قبول الآخر كما هو، بنقائصه ومميزاته. غير أن قبول الذات لا يعني الرضا عن الصفات السلبية في الشخصية، مثل العصبية أو العناد، بل يعني الاعتراف بوجود ضعف يحتاج إلى عمل وجهد للتغيير.

فعدم الرضا عن الضعفات هو ما يدفع الإنسان للسعي إلى تعديلها، إذ إن الإنسان بطبيعته يسعى نحو الأفضل والكمال.

​كما أن إدراك الإنسان لذاته وفهمه لها يعينه على فهم شريك حياته المستقبلي، ويجعله أكثر قدرة على تقبّل حقيقة أن شريك الحياة أيضًا إنسان غير كامل، لديه نقائص وعيوب مثل أي إنسان آخر. هذا الوعي يساعد كثيرًا في التكيف مع الاختلافات بين الزوجين، وهي اختلافات طبيعية ولا غنى عنها في أي علاقة زوجية.

​ولكي تنمو الحياة الزوجية نموًا صحيًا وإيجابيًا، يحتاج الشريكان إلى استعداد دائم للتفاهم والتكيف، من خلال التدريب المستمر على قبول اختلافات الآخر، والسعي المتبادل إلى تعديل السلوك الشخصي من أجل إنجاح العلاقة. ويتطلب هذا الطريق جهدًا وتضحيات من الطرفين، لكنه الطريق الذي يجعل التفاهم والحب بين الزوجين في نمو مستمر.

المراجع

د. عادل حليم ، قبل الإرتباط (القاهرة : د. عادل حليم ، 1998)

د. عادل حليم ، أيام الخطوبة(القاهرة : د. عادل حليم ، 2001)