الزواج والنضج النفسى

نضج الشخصية أمرٌ لا يتعلق بالعمر الزمنى للإنسان ، بل بنمو القدرات العقلية والعاطفية للفرد ، وبقدرته على التفاعل مع الآخرين بصورة سوية ؛ بحيث يستطيع الخروج خارج ذاته مقدماً عطاءً ومحبة للآخرين ، ويزداد نضوج الفرد كلما تدرب على البذل والعطاء .

وهناك مؤشرات تدل على نضج الشخصية ، ومنها :

الاستقلالية :-

( وهى القدرة على صنع قرار ناتج عن وعى الشخص بما يريد بالتحديد ) . وكلما زاد نضوج الفرد قل تقليده للآخرين دون وعى ، سواء فى الملبس أو فى مناحى الحياة كافة ؛ فهو يرى نفسه شخصية مستقلة ومتميزة عن الآخرين . ووجود هذه الصفة فى شريك الحياة يجعل التعامل معه سهلاً ؛ لأنه عادة يكون شخصاً واثقاً بنفسه وقادراً على اتخاذ القرارات دون خوف .

أما فى حالة عدم وجود القدرة على الاستقلال لدى أحد الزوجين ، فتحدث كثير من المتاعب ؛ فالشريك الذى يفتقر للاستقلالية عادة ما يشك فى قدرته على اتخاذ القرار، فيلجأ للآخرين ( مثل والده أو والدته أو الأخ أو صديق) لاتخاذ القرارات عنه . وبذلك تصبح الكثير من الأمور المصيرية التي تخص الأسرة فى أيدى أفراد خارجها ، مما يسبب الألم لشريك الحياة المستقل ،ويؤدى لكسر حدود الأسرة وخصوصيتها .

القدرة على تحمل المسؤولية:-

الزواج هو حياة المسؤولية ، وفيه الكثير من الالتزامات التى تتطلبها هذه العلاقة . والشعور بالمسؤولية والالتزام نحو الآخرين مهم فى جميع العلاقات ، وفى الزواج بصفة خاصة . وحين يكون الشريكان قادرين على تحمل المسؤولية ، لا يشعرون أن الزواج عبء كبير؛ لأنهم اعتادا على ذلك، فلا يلقى أحدهم المسؤولية على عاتق الاخر ، بل يعرف كل منهما واجباته ويقوم بها دون تنبيه ، وفى هذا الزواج يكون كل منهما عوناً حقيقياً للآخر .

أما إذا كان أحد الزوجين ينقصه القدرة على تحمل المسؤولية ، فقد يحمل الطرف الآخر المسؤولية كاملة مما يثقل كاهله ويجعله يشعر بالظلم المستمر. أو قد يستغل طرف عدم قدرة شريكه على تحمل المسؤولية فينفرد بإتخاذ القرارات دونه ؛ لذا فإن القدرة على تحمل المسؤولية أمر أساسى يجب يكون فى أى فرد يطمح للارتباط .

الواقعية :-

هى أن يعرف الإنسان نفسه كما هي ، فلا يعطيها حجماً أكبرولا أقل مما هى عليه ؛ فهو يعى إمكانياته وقدراته ، ويعى أيضاً أبعاد الزواج ومسؤولياته ومتطلباته . وهذا يجعله يُطلع شريك حياته المستقبلى على هذه الإمكانيات بكل أمانة ، فلا يجعله يحيا فى أحلام غير واقعية ، مما يحمى الزواج من الفشل ؛ لأن الشريك يعرف ما يملكه وما لا يملكه ، وما فى قدراته وما هو بعيد عنه .

أما إذا كان الفرد غير واقعى ويعيش فى الخيال ، فقد يصدق الطرف الآخر وعوداً غير حقيقية ، ثم يستفيق بعد الزواج على صدمة قد تؤدى لانهيار هذا الزواج .

القدرة على التكيف :-

إن الحياة لا تسيرعلى وتيرة واحدة ، بل أن هناك كثير من التغيرات والمفاجآت قد تحدث فى حياة الأسرة ومنها غير السارة ( مثل الأمراض أو العوز المادى ) ، وهذه التغيرات تسبب للزوجين الكثير من الضغوط . وإذا كان لديهما قدرة على التكيف والتعامل بمرونة مع تلك التغيرات ، فإن ذلك يعززالتفاهم بينهما ، ويخرجان من هذه الظروف الصعبة أكثر صلابة وأكثر حباً وارتباطاً بعضهم البعض .

أما إذا كانا كلاهما أو أحدهما ليس لديه قدرة على التكيف ،فهو بذلك يمثل عبئاً لا معيناً فى مثل هذه الظروف . كما أن الأبناء إذا رأوا والديهم متكيفين مع التغيرات يتكيفون معها بسهولة ، أما إذا وجدوهم ناقمين وغير متكيفين سيقلدونهم وتزداد الأعباء النفسية على الأسرة .

النضج الروحى :-

يبدأ النضج الروحى من خلال العلاقة الحية بشخص الرب يسوع ، وهو مسيرة تبدأ ولا تنتهى ( لا شك فى أن الجانب الروحى يساهم بصورة ملموسة فى تحقيق أكبر قدر من توازن الشخصية واستقرارها) ، ولكنه لا يأتى بين يوم وليلة ولكن من خلال التوبة وعمل الروح القدس فى أعماق النفس وفى اللاشعور . والعلاقة الحية مع الرب يسوع تضفى غنى على كل جوانب الشخصية ويظهر هذا فى سلوكيات الإنسان وتعامله مع الآخرين وبالأخص مع شريك الحياة .

أما إذا كان الإنسان بعيداً عن النضج الروحى وعن العلاقة الحية مع الله ، فتصبح اتجاهاته أنانية ومعاملاته لا يوجد فيها مخافة الله ، مما يؤثر سلباً على نمو باقى جوانب الشخصية .

وعادة ما يكون النضج فى جانب من الجوانب يساعد على النمو فى الجوانب الأخرى ، لذا على من يريد الارتباط أن يسعى بصورة مستمرة نحو النضج قبل الزواج وأيضاً أثناء الزواج .


المراجع

د. عادل حليم ، قبل الارتباط (القاهرة : د. عادل حليم ، 1998)

د. عادل حليم ، أيام الخطوبة (القاهرة : د. عادل حليم ، 2001)