آثار التربية على الاستعداد للارتباط

يؤثر المناخ التربوي الذي ينشأ فيه الطفل تأثيرًا عميقًا في تكوين اتجاهاته نحو الحياة بوجه عام، ونحو الارتباط والزواج بوجه خاص. فخبرات الطفولة المبكرة لا تشكّل فقط السلوك الظاهر، بل تمتد إلى تكوين المعتقدات الداخلية والصورة الذاتية التي يحملها الإنسان معه إلى علاقاته المستقبلية.

ويظهر تأثير التربية بوضوح في عدة مجالات أساسية، منها:

• رؤية الإنسان لذاته

• نظرته لجنسه

• نظرته للجنس الآخر

• تصوّره لمعنى الزواج وطبيعته

ومن هذه الاتجاهات التي قد تتكوّن نتيجة أنماط تربوية غير صحية ما يلي:

النظر إلى المرأة على أنها أقل قيمة من الرجل :-

قد يتبنّى الرجل هذا الاتجاه إذا نشأ في بيئة يسودها تسلط الأب على الأم، وتعيش فيها الأم في حالة خضوع أو قهر. فيترسّخ هذا النموذج في أعماقه، وينعكس لاحقًا على طريقة تعامله مع زوجته المستقبلية، حيث يميل إلى السيطرة أو التقليل من شأنها.

شعور الفتاة بأنها أقل قيمة من الرجل :-

الفتاة التي تنشأ في مناخ تربوي مشابه، قد يترسّخ بداخلها اعتقاد لا واعٍ بأنها أقل من الرجل، فتدخل الزواج في حالة خضوع، وتُظهر احترامًا شكليًا نابعًا من الخوف لا من الاقتناع أو التقدير المتبادل.

اتخاذ الفتاة موقفًا مضادًا للرجل :-

إذا ميّز الوالدان – أو أحدهما – الابن الذكر على حساب الابنة، قد تنشأ لدى الفتاة مشاعر رفض أو عداء لا واعٍ تجاه الرجل، يظهر لاحقًا في علاقتها بشريك حياتها، ويُصعّب عليها الدخول في علاقة آمنة ومتوازنة.


اتخاذ الشاب موقفًا مضادًا للمرأة :-

إذا تربّى الولد في مناخ تتسم فيه الأم بالتسلط والسيطرة، قد يتكوّن لديه موقف دفاعي لا واعٍ ضد المرأة، فيميل إما إلى اختيار فتاة خاضعة، أو يصبح شديد الحساسية والتهديد إذا كانت زوجته قوية الشخصية.

الشعور بالدونية أو الرفض وصغر النفس :-

عندما يسود المنزل مناخ من القهر والتسلط، ويغيب الحوار والاحترام المتبادل، ينمو لدى الطفل شعور عميق بالظلم والدونية. وقد يتحول هذا الشعور لاحقًا إلى ميل للتسلط على الآخرين أو لاستخدام القوة بدلًا من التفاهم لتحقيق الأهداف.

تكوين صورة سلبية عن الزواج :-

إذا نشأ الطفل في بيت يتسم فيه الأبوان بالسلبية والتذمر المستمر من مسؤوليات الحياة، أو تسوده الخلافات والمشاجرات، فقد يتكوّن لديه تصور داخلي بأن الزواج هو نوع من المعاناة والضغط النفسي، لا علاقة شراكة ومحبة.

تكوين موقف غير سليم تجاه الجنس :-

قد ينشأ هذا الموقف نتيجة غياب التربية الجنسية السليمة، أو تعنيف الطفل عند طرحه أسئلة طبيعية، أو نتيجة تعرضه لإيذاء جنسي. وتؤثر هذه الخبرات بشكل مباشر على قدرته على تكوين علاقة زوجية صحية لاحقًا.


هل يمكن تغيير هذه الاتجاهات؟

الإجابة: نعم، وبقوة. فالاتجاهات المكتسبة يمكن تعديلها من خلال مسيرة وعي ونمو نفسي وروحي.

خطوات التغيير:

الإدراك :-

تحديد الاتجاهات السلبية التي يحملها الفرد، واكتشاف احتياجات الطفولة التي لم تُشبَع.

الاقتناع العقلي :-

الاعتراف بأن هذه الاتجاهات تحتاج إلى تغيير حتى لا تؤثر سلبًا على العلاقة الزوجية المستقبلية.

الحماسة للتغيير:-

وجود دافع داخلي صادق للسعي نحو النمو، بدل الاستسلام لما تشكّل في الماضي.

السلوك وإرادة التغيير:-

الاعتراف بالحاجة إلى مسيرة نمو نفسي (مثل برامج تنمية الشخصية أو المشورة).

تمييز الأكاذيب الداخلية ورفضها، ومعرفة الحقائق وتثبيتها في الفكر والسلوك.

الغفران :-

التعامل الواعي مع مشاعر الغضب والألم.

اتخاذ قرار الغفران تجاه الوالدين، لا تبريرًا للأذى، بل تحررًا منه.

رفع العينين نحو الله والبدء من جديد، فليس هناك جرح يعجز الله عن شفائه أو استعادته.

والإنسان الناضج هو من يقبل والديه كما هم وكما كانوا، بدل أن يظل أسيرًا لتمنّي ماضٍ مختلف. كما أنه لا يجعل جروح طفولته، الناتجة عن احتياجات لم تُشبَع، مبررًا لعدم مراعاة احتياجات والديه في الحاضر.